الشيخ محمد رشيد رضا
158
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا يرد كون لحم الخنزير ذكر معها لأنها نت به علة تحريمه وهو كونه نجسا ، ونقل امام الحرمين عن الشافعي انه يقول بخصوص السبب إذا وردت مثل هذه القصة لأنه لم يجعل الآية حاصرة لما يحرم من المأكولات مع ورود صيغة العموم فيها : وذلك أنها وردت في الكفار الذين يحلون الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير اللّه به ويحرمون كثيرا مما أباحه الشرع فكان الغرض من الآية إبانة حالهم وانهم يضادون الحق فكأنه قيل لا حرام إلا ما حللتموه مبالغة في الرد عليهم . وحكى الطبي عن قوم ان آية الانعام المذكورة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة ، ورد بأنها مكية كما صرح به كثير من العلماء ويؤيده ما تقدم قبلها من الآيات من الرد على مشركي العرب في تحريمهم ما حرموه من الانعام وتخصيصهم بعض ذلك بآلهتهم إلى غير ذلك مما سيق للرد عليهم وذلك كله قبل الهجرة إلى المدينة اه أقول هذا أقوى وأوسع ما أجابوا به عن الآية قد لخصه أحفظ الحفاظ وأوسعهم اطلاعا ، وكله ساقط على جلالة قائليه ، وفي سقوطه أكبر حجة على المقلدين الذين يتركون العلم بكتاب اللّه وسنة رسوله بالاستقلال والانصاف بزعم أن مشايخهم وأئمتهم أحاطوا بكل شيء علما حتى فيما خالفهم فيه أمثالهم من المجتهدين ومن فوقهم من الصحابة والتابعين . ولسنا نسقطه بنظريات اجتهادية من عند أنفسنا وإنما نسقطه بما غفلوا عنه من كتاب اللّه تعالى عند البحث في تأييد مذهبهم والاحتجاج له - وذلك أظهر مواضع العبرة - وهو ما أشرنا اليه من قبل من أن آية الانعام قد تر مضمون معنى الحصر فيها في آية النحل المكية ( 16 : 115 ) وآية البة المدنية بالاجماع والخطاب في هذه للمؤمنين حتما فلا يصح فيها شيء من التأويلات التي نقلها الحافظ آنفا على علاتها ولعله لولا نصر المذهب لما نسي الحافظ هذا عند النقل ولا تأييد الفخر الرازي للحصر فيها ورده على الجمهور ، وهذا نص آية سورة البة والآية التي قبلها في خطاب المؤمنين ( 2 : 173 يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 174 ) إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لفظ « إِنَّما » يفيد الحصر ولا يأتي فيه شيء من التأويلات التي تكلفوها في آية الانعام التي نحن بصدد تفسيرها حتى جعلوا العبرة بخصوص السبب لا بعموم اللفظ على عكس القاعدة